الشنقيطي

164

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الخصوص قائلا : إنه أراد بعموم الملائكة خصوص جبريل ، وإسناد الفعل للمجموع مرادا بعضه قد بينا فيما مضى مرارا . وقوله في هذه الآية الكريمة : اسْمُهُ يَحْيى يدل على أن اللّه هو الذي سماه ، ولم يكل تسميته إلى أبيه . وفي هذا منقبة عظيمة ليحيى . وقوله في هذه الآية الكريمة : لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) اعلم أولا أن السمى يطلق في اللغة العربية إطلاقين : الأول قولهم : فلان سمى فلان أي مسمى باسمه . فمن كان اسمهما واحدا فكلاهما سمى الآخر أي مسمى باسمه . والثاني - إطلاق السمي يعني المسامي أي المماثل في السمو والرفعة والشرف ، وهو فعيل بمعنى مفاعل من السمو بمعنى العلو والرفعة ، ويكثر في اللغة إتيان الفعيل بمعنى المفاعل ؛ كالقعيد والجليس بمعنى المقاعد والمجالس . والأكيل والشريب بمعنى المؤاكل والمشارب ، وكذلك السمى بمعنى المسامي أي المماثل في السمو . فإذا علمت ذلك - فاعلم أن قوله هنا لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) أي لم نجعل من قبله أحدا يتسمى باسمه ؛ فهو أول من كان اسمه يحيى . وقول من قال : إن معناه لم نجعل له سميا أي نظيرا في السمو والرفعة غير صواب لأنه ليس بأفضل من إبراهيم وموسى ونوح ، فالقول الأول هو الصواب . وممن قال به ابن عباس وقتادة والسدي وابن أسلم وغيرهم . ويروى القول الثاني عن مجاهد وابن عباس أيضا . وإذا علمت أن الصواب أن معنى قوله لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) أي لم نسم أحدا باسمه قبله - فاعلم أن قوله رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( 65 ) [ مريم : 65 ] معناه : أنه تعالى ليس له نظير ولا مماثل يساميه في العلو والعظمة والكمال على التحقيق . وقال بعض العلماء : وهو مروي عن ابن عباس هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( 65 ) هل تعلم أحدا يسمى باسمه الرحمن جل وعلا . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) [ 8 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن زكريا لما بشر بيحيى قال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) وهذا الذي ذكر أنه قاله هنا ذكره أيضا في « آل عمران » في قوله قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [ آل عمران : 40 ] . وقوله في هذه الآية الكريمة وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم « عتيا » بكسر العين اتباعا للكسرة التي بعدها ، ومجانسة للياء وقرأه الباقون « عتيّا » أنه بلغ غاية الكبر في السن ؛ حتى نحل عظمه ويبس . قال ابن جرير الطبري رحمه اللّه في تفسير هذه الآية : يقول وقد عتوت من الكبر فصرت